محمد أحمد خلف الله

40

الفن القصصي في القرآن الكريم

الشعر العربي كله وهناك النثر العربي كله بما فيه من خطب ومقالات ورسائل وحكايات وكتب مختلفة الألوان وقصص ومقامات . تصوّر كل هذا ما طبع وما لا يزال مخطوطا وقل لي هل استطاع صاحبنا جمع هذا التراث والوقوف عليه في دقة واستقصاء ؟ وإذا كان فهل استطاع أن يدرسه حقا ؟ وإذا كان فهل استطاع من هذه الدراسة الوقوف على كل ما فيه من ظواهر عقلية وأخرى عاطفية وثالثة فنية أو بلاغية ؟ وإذا كان فهل استطاع أن يفسّر هذه الظواهر تفسيرا سليما ؟ وإذا كان فهل استطاع أن يسلسل الصور التعبيرية من استعمال للألفاظ وبناء للجمل والتراكيب والرسائل والقصص والمقامات . . . إلخ ؟ وإذا كان فهل أقام الفروق في كل هذا على الخصائص المميّزة لكل من الأديب ثم المدرسة والمذهب ثم العصر والبيئة ؟ . إن قلت نعم فإني أقول كلا وألف مرة كلا اللهم إلا إذا كان صاحبي ممّن يصنعون الخوارق وممّن تجري على أيديهم المعجزات . إن اختيارنا لأمثال هذه الموضوعات يباعد بيننا وبين الدرس العلمي الصحيح ومن هنا يكون كل ما نصنعه أننا نقرأ ما كتب عن هذه النصوص نفسها وأنّا نسجّل من الأحكام الأدبية قضايا عامة لم تمحص ولم تدقّق ومن هنا يكون العلم منها براء . إن الخطة العلمية الجامعية عندنا تسير على غير هدى وبينة ومن هنا نعرض كثيرا عن الجزئيات ونجري سراعا إلى الأمور العامة وهذا هو البلاء . إننا في حاجة إلى أن نبدأ مع الأدب وهو وليد ونسايره في النمو حتى تكون الأحكام صادقة ويكون الدرس العلمي منتجا وتسدد في كليتنا الخطوات . هذا هو الجديد الذي قوّى في نفسي اختيار الفن القصصي في القرآن الكريم فقد رأيت هذا الموضوع يحقق هذا المنهج من حيث أن القصص القرآني نقطة البدء في دراسة القصة العربية عامة والدينية بصفة خاصة ولا إخالك في حاجة إلى أن أدلّك على أن ما سبق القصص القرآني من قصص عربي لا يصلح أن يكون مادة للدراسة الأدبية للقصة بحال من الأحوال وليس ذلك إلا لأنه لم يصلنا سليما وكل ما حوفظ عليه فيه هو قيمته الفكرية وأنه من هنا يصلح لدراسة التيارات العقلية ولا يصلح لدراسة التيارات الفنية .